محمد بن جرير الطبري

70

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فتفقدت الجن ذلك من أنفسها . وذكر لنا أن أشراف الجن كانوا بنصيبين ، فطلبوا ذلك ، وضربوا له حتى سقطوا على نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه عامدا إلى عكاظ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً حتى بلغ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس ، فقالوا : منع منا السمع ، فقال لهم : إن السماء لم تحرس قط إلا على أحد أمرين : إما لعذاب يريد الله أن ينزله على أهل الأرض بغتة ، وإما نبي مرشد مصلح ؛ قال : فذلك قول الله : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً . وقوله : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً يقول عز وجل مخبرا عن قيل هؤلاء النفر من الجن : وأنا لا ندري أعذابا أراد الله أن ينزله بأهل الأرض ، بمنعه إيانا السمع من السماء ورجمه من استمع منا فيها بالشهب أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً يقول : أم أراد بهم ربهم الهدى بأن يبعث منهم رسولا مرشدا يرشدهم إلى الحق . وهذا التأويل على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد قبل . وذكر عن الكلبي في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، عن الكلبي في قوله : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً أن يطيعوا هذا الرسول فيرشدهم أو يعصوه فيهلكهم . وإنما قلنا القول الأول لأن قوله : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ عقيب قوله : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ الآية ، فكان ذلك بأن يكون من تمام قصة ما وليه وقرب منه أولى بأن يكون من تمام خبر ما بعد عنه . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ . . . وَلَنْ نُعْجِزَهُ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيلهم : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وهم المسلمون العاملون بطاعة الله وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ يقول : ومنا دون الصالحين . كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً يقول : وأنا كنا أهواء مختلفة ، وفرقا شتى ، منا المؤمن والكافر . والطرائق : جمع طريقة ، وهي طريقة الرجل ومذهبه . والقدد : جمع قدة ، وهي الضروب والأجناس المختلفة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حميد الرازي ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة ، في قوله : طَرائِقَ قِدَداً يقول : أهواء مختلفة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً يقول : أهواء شتى ، منا المسلم ، ومنا المشرك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً كان القوم على أهواء شتى . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة طَرائِقَ قِدَداً قال : أهواء . حدثني ابن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً قال : مسلمين وكافرين . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً قال : شتى ، مؤمن وكافر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً قال : صالح وكافر ؛ وقرأ قول الله : وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ . وقوله : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يقول :